
لازلت أذكرها … ابار وخنادق ، كسرت فيها أقدام وتعطلت سيارات … حفر سحيقة عمرت أكثر منا ، شاركتنا ذكريات طفولتنا ، إذا سألتها ستروي لك قصصنا ، سوف تخبرك عن آخر أيام الدراسة والأطفال يركضون في كل اتجاه يتفادونها بتلقائية وفي أيديهم الاوراق الصفراء ، ستخبرك عن “عبدو” صاحب بقالة الزاوية وهو يتذمر كل صباح فبسببها أصبحت شاحنات السلع ترفض دخول الحي، ليضطر لحمل صناديق السلع و أكياس الطحين وقناني الغاز من أول الشارع إلى الدكان في طرفه متفاديا حفر الرصيف هو الآخر ، سوف تخبرك بأنها كانت سبب وفاة يونس الصغير بعد أن حشرت عجلة دراجته الأمامية داخلها فحدث ماحدث والمزيد المزيد من المشاهد، التي لن تجد أفضل من أكبر المعمرين في الحي – حجما وسنا – لتعطيك حقنة نوستالجية كهذه، صدقني لن تجد أفضل من حفرنا .
صراحة ، بطريقة أو بأخرى صارت هذه الحفر جزءا لايتجزأ من ماضينا وحاضرنا لدرجة عدم الإستننكار بل أكثر من ذلك بلغ منا اليأس من التخلص منها لحد إدماجها في حياتنا اليومية و عاداتنا ، صدقني .
فالصبية صاروا يستعملونها في ألعابهم ، أحيانا كهدف في لعبة الكريات و أحيانا كأحد تقنيات المراوغة في كرة قدم الشوارع ، وفي بعض المرات تستعمل الكبيرة منها كمنبه صوتي للتحذير من قدوم سيارة قبل إخلاء “الملعب” …
نعم صارت جزءا من حياتنا حتى ألفناها ، فعلا قد ألفناها رغم كل ما تسببه من أذى، كان علينا أن نفعل ، زيادة على أنه في حي شعبي كما تعلمون لكل مايكفيه من الهموم مايشغله عن تربية أبنائه أو الإعتناء بنفسه فما بالك بأن يكترث لحفرة على الطريق ، نعم اضطررنا أن نألفها بعد ان يئسنا من كل مرشح يهل علينا في الحملات والمواسم بجوقة الموسيقي- المكون غالبا من شباب الحي الذين يسبونه طوال العام – ليقيم حفلا فوقها ويمنينا بالتخلص منها فور نجاحه – وهو يعلم أننا نعلم بأنه كاذب، وموقن بأنها ليست أكبر همنا- لكن هذه سُنَة من سبقه : أن لا يخاطبنا إلا بقدر عقولنا التي لا تفهم من معنى الحقوق سوى لغة الطوب والزفت و الأسمنت- ثم يختفي .
إلى أن فقدنا الأمل تماما بعد رفض البلدية مبادرة المحسنين لترميمها – بحجة خطر انقراض الدب القطبي إذا لم تخني الذاكرة أو شيء من هذا القبيل – بل تجرأت أن تطالب بالمال المتبرع به – لكن المحسنين جزاهم الله خيرا رفضوا ذلك خوفا على وزارة الأوقاف من التخمة- .
وهكذا مضت سنوات وسنوات ، و كبرت شوارب أطفال الحي وكبرت معها حفره أيضا .
وفي صباح يوم كباقي الأيام ، دون أي سابق إنذار إستيقظ الحي على هدير شاحنات صفراء غريبة الشكل و رائحة الزفت المنصهر النافذة وصياح العمل ، تجمهر الكل، وطوق الأطفال في دهشة الشاحنات لإشباع فضولهم، وبدأ أصحاب الدكاكين السذج يتناقشون بحماس حول مصدر هذه “الإكرامية” الغير متوقعة و على محياهم علامات الفرح وابتسامات الرضا العريضة الممزوجة بشيء من العبط لجهلهم المطلق بما يحدث فعلا ،لكنهم سعداء فعلا و متناسين تعب كل السنوات الماضية التي لا زالت أثاره موشومة على قفاهم بروح رياضية – لعن الله هذه الروح – ، وصاروا يتجادلون من شدة حماستهم، أحدهم يدعي أنه تدخُل أحد أقربائه، والآخر يفترض أنه “المرشح” – كما يسمونه- خرج من قمقمه أخيرا ، وآخر يزعم أنه سمع أنباء تتحدث بأن المدينة بأكملها ستخرج من خانة المغضوب عليهم أخيرا وستمسنا في القريب يد الرضا جميعا، معلنة انتهاء مدة “عقوبة الشمال” بسبب “موقعة الطماطم” .
والعجيب في الأمر أن أحدا منهم لم يضع احتمال أن الطريق سوف تصلح لأنها فعلا تحتاج إلى إصلاح .
على أي … مهما كان سر ما يحدث فالأكيد الذي لاغبار عليه أن سكان الحي سعداء جدا، و بشكل مبالغ فيه، لدرجة تجعلك تظن ثمن اللحم أخيرا صار في متناول الجميع أو أن الحد الأدنى للأجور تجاوز قيمة الكراء، ولم يعد الزواج أخيرا لمن استطاع إليه سبيلا .
وبدأت عملية “التزفيت” ، انتبه الجميع ، وتجمهر صغار الحي الأشقياء حول كومة الزفت الذائب ، كل طفل له مخططه الشخصي لجعل العملية أكثر تسلية ، بعضهم يترصد حذاء صديقه ليقيس به مدى حرارة الزفت وصديقه هو الاخر يترصد محفظته لمعرفة مدى قوة ضغط الشاحنات الضاغطة ذات الدولاب العملاق والبقية كالبعوض تتوسل السائق المسكين صعود الشاحنة دون كلل .
وهكذا استمرت الأشغال حتى نال التعب من الأطفال قبل العمال … عم الظلام وأغلقت الدكاكين ، وطاردت الأمهات الأولاد حتى لم يتبقى في الشارع سوى أصحاب القبعات الصفر ، وهكذا نام الجميع على صوت هدير الشاحنات وآلات الحفر المستمرة في العمل، والحيرة لم تغادر سكان الحي عن سر كل ما يحدث .
وفي الغد ، استفاق الجميع على الصاعقة …
بحق الجحيم ، كيف يمكن لهذا أن يحدث ؟
كيف تمكنوا من نقل حي بأكمله من منطقة إلى أخرى
لديهم عجلات عملاقة وادوات متطورة ؟
أو حتى ناقل لحظي للجزيئات ؟
كل هذا وارد إلا أن يحاول أحد إقناعنا بأن هذا الحي هو ذاته حينا !
سبحان الله ، الطريق جديدة جاهزة ، نظيفة شديدة السواد ومخططة بخطوط بيضاء ناصعة ،ممر للراجلين ، والأرصفة مزفتة هي الأخرى وملونة بطريقة توهم البعيد وكأنها رخام ملون ، وعلى رأس كل أربعة أمتار شجرة “نارنج” مثمرة ، وعمال نظافة هنا وهناك يعملون بالمناوبة منذ ساعات الفجر الأولى .
هنا تجمد الجميع في دهشة وبدأت لهجة الاستفسار تصبح اكثر حدة ، والكل يتساءل بطريقة هي أقرب إلى الغضب منها إلى الفرح .
ما الذي دفع هذا المرشح اللئيم إلى تلبية ما طلبناه ومالم نطلبه بعد، دون مزايدة منه ولا إبتزار ولا حتى ظهور للمقدم ؟
وإن كان القرار فوقه، فما الذي جعلنا هكذا فجأة نعني شيء لهذا الوطن ،ما الذي جعلنا أخيرا نستحق منه شيء ما .
وهكذا عصفت التساؤلات بالجميع ، إلا الأطفال الذين انهمكوا في تقسيم ملعب الزفت الجديد دون اكتراث، معلنين انتهاء موسم لعبة الكريات بعد اختفاء الحفر، وبداية موسم الزلاجات الخشبية فلديهم الان “ملعب” جديد سوف يثير غيظ أولاد الحي المجاور بلا شك …
وماهي إلا سويعات حتى اختفت التساؤلات … وظهر سبب كل ما يحدث للعيان …
لا لم يكن المقدم المنتظر هو صاحب السبق هذه المرة.
بل كان السبب شيء آخر .
رغم أن هذا “السبب” مر بسرعة خاطفة ولم نلمح منه سوى بريق سيارته السوداء، إلا أننا فهمناه جيدا، و كان فعلا مقنعا.
لدرجة ابكمت الجميع … مر الجواب بسرعة فعلا ، لكنه ترك خلفه ألف جواب وجواب أولها أننا لازلنا لا نستحق ذلك الـ”شيء ما ” وليس اخرها أن الحفر انتقلت إلى صدورنا و بقايا كبريائنا .
المهم
مرت الأيام واقتنع أطفال الحي أخيرا بأن “النارنج” لا يؤكل مع قطف آخر حبة، واقتنع سكان الحي أن لا حل لمشاكل الحي الجديدة: أسلاك الكهرباء العارية، الأكشاك التي استعمرت الأرصفة بترخيص و سور المدرسة الأيل للسقوط و و و …
سوى الوصول إلى طريقة لتعديل مسار السيارة السوداء.
نعم هذا ما حدث، بعد أن ظننا أنهم زفتوا الحفر لم نستغرق وقتا طويلا لنكتشف أن عقولنا التي زفتت…
زفتونا والحمد لله .






